المُؤْنِسة

لقد رأيت أن أضيف "المؤنسة"، أشهر قصائد قيس بن الملوح وأقربها إلى قلبه في نهاية هذا الكتاب، ليسهل على القارئ الرجوع إليها والتمتع برقتها دون عناء البحث عنها في مراجع الأدب. ولقد استشهدت بالكثير من أبياتها في هذا الكتاب لتدعيم ما استنتجته من رأي.

 فالمؤنسة أطول قصائد مجنون ليلى، التي كان يواظب على تلاوتها ويرددها دون أشعاره. وكان ينشدها عندما يخلو بنفسه لتؤنسه. وهي من درر شعره وأرقها لفظاً، وأحسنها سبكاً وألطفها شجواً، وأبلغها نسيباً وغزلاً. وكما قال داوود الأنطاكي في كتاب (تزيين الأسواق في أخبار العشاق): تهيج الشجون وتعين المحزون. ولأنها كانت تؤنس المجنون في خلوته وتقلل وحشته سُمّيت "المؤنسة". وتعتبر هذه القصيدة الرائعة من الشعر العذري الرفيع مع بساطة ألفاظها وخلوها من التكلف. فهي مفعمة بالأحاسيس العاطفية، وزاخرة بحرارة العشق والمشاعر الصادقة. ولقد راعيت أن أختار ما اشتهر من أبياتها مع أن لقيس أبياتاً كثيرة من نفس البحر والقافية أضافها بعض الرواة للمؤنسة. ولقد أنست بتكرار قراءتها لأنها في رأيي أرق من الدمعة وأعذب من الشهد.

تَذَكَّرتُ   لَيلى    وَالسنــينَ    الخَوالِيا      وَأَيّامَ  لا نَخشى  عَلـى   اللَّهوِ  ناهِيا
وَيَومٍ   كَظِلِّ  الرُّمحِ   قَصَّرتُ   ظِلَّهُ      بِلَيلـى  فَلَهّاني  وَمـا    كُنتُ    لاهِيا
بِثَمدينَ  لاحَت  نارُ  لَيلى  وَصُحبَتي      بِذاتِ الغَضى تُزجي المَطِيَّ النَواجِيا1

فَقالَ  بَصيرُ  القَومِ   أَلمَحتُ   كَوكَباً      بَدا  في سَوادِ   اللَيلِ    فَرداً   يَمانِيا
فَقُلتُ لَهُ  بَل  نارُ   لَيــــلى     تَوَقَّدَت      بِعَليا  تَســامى   ضَوءُها    فَبَدا  لِـيا
فَلَيتَ رِكابَ القَومِ  لَم  تَقطَعِ  الغَضى      وَلَيتَ الغَضى  ماشى الرِّكابَ   لَيالِيا
فَيا  لَيلَ  كَم  مِن  حاجَةٍ  لي  مُهِمَّةٍ       إِذا جِئتُكُم  بِالليلِ   لَم  أَدرِ   مـــاهِيا
خَليلَيَّ  إِن   لا    تَبكـِيانِيَ    أَلتَمِسْ      خَليلاً  إِذا  أَنزَفتُ   دَمعي  بَكى  لِيا
فَما  أُشرِفُ   الأَيفـاعَ  إِلاّ     صَبابَةً      وَلا  أُنشِدُ   الأَشــعارَ    إِلاّ    تَداوِيا
2
وَقَد  يَجمَعُ   اللَهُ  الشتيتَينِ    بَعدَما       يَظُنّانِ  كُلَّ  الظَنِّ  أَن  لا    تـلاقِيا
لَحى  اللهُ    أَقواماً    يَقولـونَ    إِنَّنا       وَجَدنا طَوالَ  الدهرِ   لِلحُبِّ   شافِيا
3
وَعَهدي  بِلَيـلى  وَهيَ   ذاتُ  مُؤَصِّدٍ       تَرُدُّ   عَلَينا     بِالعَـــــشِيِّ    المَواشِيا
خَليلَيَّ  لا   وَاللهِ   لا  أَملِكُ    الَّــذي      قَضى اللَهُ في لَيلى وَلا  ما قَضى لِيا
قَضاها   لِغَيري     وابتَلانــي  بِحُبِّها       فَهَلاّ  بِشَيءٍ  غَيرِ    لَيلـى   ابتَلانِيا
وَخَبَّرتُمانــي     أَنَّ    تَيماءَ    مَنزِلٌ       لِلَيلى إِذا  ما الصيفُ  أَلقى المَراسِيا
4
فَهَذي شُهورُ الصَّيفِ عَنّا قَدِ انقَضَت       فَما   لِلنَوى  تَرمي  بِلَيلى  المَرامِيا؟5
فَلَو  أَنَّ   واشٍ    بِاليَمــــامَةِ     دارُهُ       وَداري بِأَعلى حَضرَمَوتَ اهتَدى  لِيا6
وَماذا لَهُم  لا  أَحسَنَ   اللَهُ   حـالَهُم       مِنَ الحَظِّ في  تَصريمِ  لَيلى  حِبالِيا؟
فَيا  رَبِّ  سَوِّ   الحُبَّ  بَيني   وَبَينَها       يَكونُ  كَفــافاً   لا  عَلَيَّ    وَلا   لِــيا
فَما  طَلَعَ  النجـمُ  الَّذي  يُهتَدى   بِهِ       وَلا  الصُّبحُ  إِلا  هَيَّجا   ذِكرَها   لِيا
وَلا سِرتُ  ميلاً مِن  دِمَشقَ   وَلا  بَدا      سُهَيلٌ  لأَهلِ   الشامِ   إِلا   بَدا  لِيا
وَلا سُمِّيَت  عِندي   لَها  مِن   سَمِيَّةٍ       مِنَ  الناسِ  إِلاّ  بَلَّ  دَمعي   رِدائِيا
وَلا  هَبَّتِ  الريحُ    الجَنوبُ لأَرضِها       مِنَ  الليلِ   إِلا  بِتُّ   لِلريحِ   حانِيا
فَإِن   تَمنَعوا  لَيلى  وَتَحموا   بِلادَها       عَلَيَّ   فَلَن  تَحموا   عَلَيَّ    القَوافِيا
فَأَشهَدُ   عِـندَ   اللهِ    أَنّي     أُحِبُّها       فَهَذا  لَها  عِندي   فَما عِندَها   لِيا؟
قَضى اللَهُ  بِالمَعروفِ   مِنها  لغَيرِنا       وبِالشَّوقِ  مِنّي  وَالغَرامِ   قَضى  لَيا
وَإِنَّ  الَّذي  أَمَّلتُ    يا    أُمَّ   مـالِكٍ       أَشابَ   فُوَيدي    وَاستَهامَ    فُؤاديا
7
أَعُدُّ  الليالي     لَيلةً    بَعــدَ     لَيلةٍ       وَقَد  عِشتُ  دَهراً   لا  أَعُدُّ  الليالِيا
وَأَخرُجُ مِن  بَينِ    البُيـوتِ     لَعَلَّني      أُحَدِّثُ عَنكِ   النَّفسَ   بِالليلِ   خالِيا
أَراني  إِذا    صَلَّيتُ   يَمَّمتُ  نَحوَها       بِوَجهي  وَإِن   كانَ  المُصَلّى  وَرائِيا
وَما  بِيَ   إِشراكٌ      وَلَكِنَّ    حُبَّها      وَعُظمَ الجَوى أَعيا  الطَبيـبَ  المُداوِيا
أُحِبُّ مِنَ الأَسماءِ ما  وافَقَ    اسمَها      أَوَ  اشبَهَهُ  أَو  كـانَ   مِنهُ    مُدانِيا
خَليلَيَّ  لَيلى  أَكبَرُ  الحاجِ    وَالمُنى       فَمَن لي بِلَيلى أَو فَمَن  ذا  لَها بِيا؟
8
لَعَمري لَقَد أَبكَيتِني  يا  حَمامَةَ    الـ       عَقيقِ   وَأَبكَيتِ   العُيــونَ    البَواكِيا9
خَليلَيَّ ما  أَرجو مِنَ  العَيشِ   بَعدَما       أَرى حاجَتي تُشرى  وَلا   تُشتَرى  لِيا
وَتُجرِمُ   لَيلى    ثُمَّ    تَزعُمُ    أَنَّنـي       سَلوتُ وَلا يَخفى  عَلى  الناسِ ما بِيا
فَلَم  أَرَ  مِثلَينا    خَليلَي     صَبـابَةٍ       أَشَدَّ عَلى  رَغمِ  الأَعادي    تَصــافِيا
خَليلانِ  لا  نَرجو  اللقاءَ  وَلا   نَرى       خَليلَينِ   إِلا    يَرجُــــوانِ       تَلاقِيا
وَإِنّي  لأَستَحيِيكِ  أَن تَعرِضي  المُنى      بِوَصلِكِ أَو أَن تَعرِضي في المُنى لِيا
يَقولُ  أُناسٌ  عَلَّ   مَجنونَ    عامِرٍ       يَرومُ  سُلوًّا  قُلــتُ   أَنّى    لِما  بِيا؟
إِذا ما استَطالَ  الدَهرُ  يا  أُمَّ   مالِكٍ       فَشَأنُ  المَنايا   القاضِــياتِ   وَشانِيا
إِذا اكتَحَلَت  عَيني  بِعَينِكِ  لَم   تَزَل       بِخَيرٍ  وَجَلَّت   غَمـرَةً  عَن   فُؤادِيا
10
فَأَنتِ الَّتي إِن شِئتِ  أَشقَيتِ  عِيشَتي       وَأَنتِ  الَّتي  إِن شِئتِ  أَنعَمتِ  بالِيا
وَأَنتِ الَّتي ما مِن  صَديقٍ  وَلا   عِداً       يَرى نِضوَ ما أَبقَيتِ  إِلا  رَثى  لِيا
11
أَمَضروبَةٌ  لَيلى  عَلى  أَن    أَزورَها       وَمُتَّخِذٌ   جُرماً  عَلــى  أَن    تَرانِيا؟
إِذا سِرتُ في الأَرضِ الفَضاءِ  رَأَيتُني       أُصانِعُ   رَحـلي  أَن   يَميلَ   حِيالِيا
يَميناً  إِذا  كانَت  يَميناً   وَإِن   تَكُن       شِمالاً  يُنازِعنِي  الهَوى  عَن  شِمالِيا
وَإِنّي  لأستَغشي  وَما  بِيَ     نَعـسَةٌ       لَعَلَّ  خَــيالاً   مِنكِ    يَلقى    خَيالِيا
هِيَ السِّحرُ  إِلاّ  أَنَّ   لِلسِّـحرِ   رُقيَةً       وَأَنِّيَ  لا  أُلفي   لَها  الدهرَ  راقَيا
12
إِذا  نَحنُ    أَدلَجنا   وَأَنتِ    أَمـامَنا       كَفا   لِمَطــايانا    بِذِكراكِ    هــادِيا13
ذَكَت نارُ شَوقي في فُؤادي فَأَصبَحَت       لَها   وَهَجٌ    مُستَضرَمٌ   في  فُؤادِيا
أَلا  أَيُّها  الرَّكبُ  اليَمانونَ    عَرِّجوا      عَلَينا   فَقَد   أَمسى   هَـوانا    أمانِيا
أُسائِلُكُم هَل  سالَ  نَعمــانُ     بَعدَنا؟      وَحُبَّ  إِلَينا   بَطنُ   نَعمانَ   وادِيا
14
أَلا يا حَمامَي  بَطنِ   نَعمانَ  هِجتُما      عَلَيَّ  الهَوى    لَمّا     تَغَـنَّيتُمـا   لِيا
وَأَبكَيتُماني وَسطَ  صَحبي  وَلَم   أَكُن      أُبالي دُموعَ  العَينِ   لَو  كُنتُ  خالِيا
وَيا    أَيُّها     القُمْــرِيَّتانِ      تَجاوَبا      بِلَحنَيكُمــا   ثُمَّ    اسـجَعا     عَلِّلانِيا
فَإِن  أَنتُما  استطَرَبتُما    أَو   أَرَدتُما       لَحاقاً   بِأَطـلالِ   الغَضى  فَاتبَعانِيا
أَلا  لَيتَ  شِعري ما لِلَيلى    وَما لِيا؟      وَما لِلصِبا  مِن  بَعدِ شَيبٍ  عَلانِيا؟
أَلا  أَيُّها  الواشي  بِلَيلى    أَلا  تَرى       إِلى مَن تَشيها أَو بِمَن جِئتَ  واشِيا؟
لَئِن   ظَعَنَ  الأَحبابُ  يا   أُمَّ  مالِكٍ       فَما  ظَعَنَ الحُبُّ الَّذي في   فُؤادِيا
15
مُعَذِّبَتي   لَولاكِ    ما   كُنتُ  هائِماً       أَبيتُ   سَخينَ   العَيـنِ  حَرّانَ  باكِيا
مُعَذِّبَتي  قَد   طالَ  وَجدي   وَشَفَّني       هَواكِ  فَيا   لِلنـاسِ    قَلَّ   عَــزائِيا
16
وَقائِلَةٍ        وارَحـــمَتا        لِشَبابِـهِ       فَقُلتُ   أَجَل    وارَحـــمَتا      لِشَبابِيا
وَدِدتُ    عَلَى  طيب  الحَياةِ  لَو انَّه       يُزَادُ  لليلى  عُمــرُها  مِن      حَياتِيَا
أَلا   يا  حَماماتِ   العِــراقِ    أَعِنَّني      عَلى  شَجَني   وَابكينَ  مِثلَ   بُكـائِيا
يَقولونَ    لَيلى   بِالعِـراقِ    مَريضةٌ       فَيا  لَيتَني كُنــتُ   الطَّبيبَ   المُداوِيا
تَمُرُّ   اللَيالي   وَالشُهورُ   وَلا   أَرى       غَــرامي  لهـا   يَزدادُ   إِلا     تَمادِيا
فَيا رَبِّ إِذ صَيَّرتَ لَيلى   هِيَ  المُنى       فَزِنّي  بِعَينَيها   كَمـا    زِنتَها   لِيا
17
وَإِلا   فَبَغِّضــها     إِلَيَّ       وَأَهلَها       فَإِنّي  بِلَيلى   قَد    لَقيـتُ   الدَّواهِيا
عَلى  مِثلِ  لَيلى  يَقتُلُ المَرءُ   نَفسَهُ       وَإِن كُنتُ مِن لَيلى عَلى اليَأسِ طاوِيا
خَليلَيَّ   إِن  ضَنّوا    بِلَيـلى    فَقَرِّبا       لِيَ  النَّعشَ  وَالأَكفانَ   وَاستَغفِرا  لِيا

الشرح:
(1) ثمدين أو تمدين وذات الغضى: اسمان لموضعين، المطي النواجي: النوق السريعة تنجو بمن ركبها. 
(2) الأيفاع: التلال المرتفعة.
(3) لحى الله: قبّح ولعن.
(4) تيما: اسم موضع.
(5) النوى: البعاد.
(6) واشٍ: حقها أن تكون واشياً ولكنه قال "واشٍ" للضرورة الشعر.
(7) أم مالك: كنية ليلى.
(8) الحاج: الحاجات.
(9) العقيق: اسم مكان.
(10) غمرة: غم.
(11) النضو: الدابة أو البعير المهزول من الأسفار، شبه المجنون نفسه بالبعير الناحل.
(12) رقية: عوذة، ما يستعان به على السحر والآفة والمرض.
(13) أدلج: سار الليل كله.
(14) نَعمان: اسم وادٍ.
(15) ظعن: رحل.
(16) شفّ الجسم: نحل.
(17) زنّي: زينني وجملني.

© 2019 by Dr. Hajar