موت ليلى

اختلف الرواة على من سبق الآخر إلى الموت قيس أم ليلى. ولا ينكر الرواة أن ليلى قد مرضت مرضاً شديداً أثناء حياة المجنون فأخذها أهلها إلى العراق للعلاج. ويروى أن المجنون كان نائماً ذات يوم في الصحراء إذ مر به رجل فقال:

 

ألا إن  ليلى  في   العراق   مــريضةٌ            وأنت خليُّ البال تلهو  وترقدُ

فلو كنت يا مجنونُ تُضنَى من الهوى            لبِتَّ كما بات السليم المسَهَّدُ

السليم: اللديغ.

المسهد: المصاب بالسهاد وهو الأرق.

 

فخر المجنون مغشيًّا عليه لما سمع ذلك، فلما أفاق أنشأ يقول:

 

يقولون  ليــلى    بالعراق   مريضة       فما لكَ لا تَضنى  وأنت  صديقُ

سقى الله   مَرضى  بالعراق  فإنني       على كلِّ مرضى بالعراق  شفيقُ

فإن تكُ  ليلى  بالـعـراق    مريضةٌ       فإنيَ في  بحر  الحتوف  غـريقُ

أهيمُ    بأقطار  البــلاد   وعَرْضها       وما  لي إلى ليلى الغَداة  طـريقُ

وقد صرتُ مجنوناً من الحب هائماً       كأني عــانٍ  في   القيود   وثيقُ

أظلُّ  ذريح العقل ما  أطعمُ  الكرى       وللقلبِ   مـني   أنّةٌ    وخــفوقُ

برى حبها جسمي  وقلبي  ومهجتي       فلم  يبـقَ  إلا  أعظمٌ   وعـروقُ

فلا  تعذلوني إن  هلكتُ    ترحَّـموا       عليّ  ففقد  الروحِ  ليس  يعوقُ

وخُطُّوا على قبري إذا متُّ   واكتبوا       قتيلُ  لحاظٍ  مات  وهو عشـيقُ

إلى الله أشكو ما ألاقي مِنَ  الهوى       بليلى ففي  قلبي جوىً   وحـريقُ

العراق: كان العراق وخاصة بابل قد اشتهرت عند العرب قبل الإسلام بطبها القديم المبني أصلاً على السحر والكهنة، فتؤخذ إليها الحالات المستعصية.

العاني: الأسير.

ذريح العقل: أي مجنون أو قليل العقل، وذرّح الشيء في الماء: جعل فيه شيئاً يسيراً، والمذرّح: المسموم.

الجوى: الحرقة وشدة الوجد من العشق.

 

وقيل إن ظبياً مر به فقال:

أقول لظبي مرَّ بي وهو  راتعٌ           أأنت أخو ليلى؟ فقال  يُقالُ

أيا شِبهَ ليلى إن ليلى مريضةٌ           وأنت صحيحٌ إنّ  ذا لمحالُ

راتع: ترعى في الخصب.

وقال أيضاً:

يقولون ليلى في العراق مريضةٌ         فأقبلت من مصرٍ إليها أعودُها

فوالله ما أدري  إذا  أنَـا   جئتها        أأبرِئها من  دائها  أم  أزيدُها؟

 

وبكى قائلاً:

فوالله ما أبكي على يومِ مَيتتي            ولكنني من وشكِ بينكِ أجزعُ

فصبراً لأمر اللهِ إن حان يومُنا           فليس  لأمرٍ حمَّهُ  الله  مَدفعُ

أجزع: أخاف وأحزن.

 

فالراوي الذي قال إن ليلى سبقت قيساً في الوفاة قال: بينما كان المجنون في وادٍ أسند ظهره إلى الصخور حزيناً كئيباً، إذ مر به فارسان فنعيا إليه ليلى وقالا: مضت لسبيلها، فخر مغشيًّا عليه، فلما أفاق أنشأ يقول:

 

أيا ناعييْ ليلى  بجانب هضبةٍ           أما كان ينْعاها عليَّ سِواكما؟

ويا ناعيي ليلى بجانب هضبةٍ           فمن بعد ليلى لا أمرَّت قواكما

ويا ناعيي ليلى لقد هجتما  لنا           تباريحَ نوحٍ في الديار كـلاكُما

فلا عِشتما  إلا حليفيْ مصيبةٍ           ولا مُتُّما  حتى يطول  بلاكُما

 

ثم مضى ودخل الحي فأتى أهل بيتها فعزّاهم وعزوه، فقال دلوني على قبرها، فلما عرفه رمى بنفسه على القبر والتزمه، وأنشأ يقول:

 

أيا قبرَ ليلى لو شهدناكَ  أعولتْ        عليك نساءٌ من فصيحٍ  ومن عجَمْ

ويا  قبرَ  ليلى  أكرِمنَّ   محـلَّها         يكنْ لك ما  عشنا علينا  بها  نِعمْ

ويا قبرَ  ليلى  إن  ليلى  غريبةٌ         بأرضكَ لا خلٌّ  لديها  ولا ابنُ عمْ

ويا قبرَ ليلى ما  تضمنت  قبلها         شبيهاً لليلى  ذا عفافٍ  وذا   كرمْ

ويا قبرَ ليلى غابتِ   اليومَ أمُّها         وخالتُها  والحافظونَ   لها   الذِّممْ

 

فمكث دهراً يأوي إلى قبر ليلى ويدور نهاره، حتى جف جلده على عظمه واشتدت بليته فقال:

 

إلى الله أشكو حبّ ليلى كما شكا        إلى اللهِ فَقْدُ  الوالدينِ  يتيمُ

يتيمٌ   جفاهُ   الأقربون   فعــظمُه        كسيرٌ  وفَقْدُ الوالدينِ عظيمُ

 

وفي رواية أخرى أن قيساً توفيَ قبل ليلى، وأنه لم تبقَ فتاة من بني عامر إلا خرجت حاسرة صارخة عليه تندبه. ولما وصل الخبر ليلى بكته بكاءً مرًّا وخالفت زوجها وقالت له: "والله إني لزائرة قبر قيس وفاء له". ثم رحلت إلى قوم المجنون، فرحبوا بها وعرفوها القبر فبكت وناحت على القبر أربعين يوماً، ثم انكبت على القبر تقبله وتعانقه، ثم شهقت شهقة مديدة وصمتت إلى الأبد، وحركت فإذا هي قد ماتت7.

© 2019 by Dr. Hajar