المقامة الرمضانية في زمن كورونا

أصدقائي الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

طالت مدة العزلْ، فافتقدت منكم الجِدَّ والهزلْ. فأنا أحن إلى اللقاء أيها الأصدقاء. وقد قال المتنبي:

شر البلاد  مكان  لا  صديق  به

وشر ما يكسب الإنسان ما يصمُ

 

فأنا معتكف في المكتبة عن كلِّ الفيروسات والأوبئة. ولا أنكر أنني أصول وأجول، وبالقراءة مستمتع ومشغول.

فانعزال الشايب في حالنا، ليس من العجائب، فهو فرض وواجب، وليس من الغرائب أن كورونا مغرمٌ بالشايب، لأنه لا يقوى على العراك فيقوده إلى الهلاك، بينما الشاب يصارع الصعاب والذئاب، وكما قال المتنبي:

آلةُ العيشِ صحةٌ وشبابٌ

فإذا وليا عن المرء ولّى

 

ولقد مللت في شهر الصوم اللحومْ، بما فيها من شحوم وسمومْ. فاللحم عندي مذموم. فعزمت أن أجرّبْ، أن أطبخ لنفسي قبل المغربْ. ولست من التجارب بهارب، ولي فيها مآرب. وقد قال الحكماء: "طول التجارب زيادة في العقل". ومن يعتمد دائمًا على الطباخ والخدم، قد يصكه الندم. وقد قال الطغرائي:

فإنما  رجلُ    الدنيا   وواحدها

من لا يعول فى الدنيا على أحدِ

 

وأنا لست شرهًا في الأكل وقد أكتفي بالخبز والبقل، وكما قال ابن الوردي:

 

ملكُ كسرى عنهُ تُغني  كسرةً

وعن البحر  اجتزاء  بالوشلْ

 فقررت اليوم أن أطبخَ لنفسي الإفطار، دون لحم وملح وابزار. فباركت العائلة ما أختار، بلا جدال ولا إنكار. فقلت: سيكون الإفطار الليلة، مثل إفطار الصباح، لما كان الإفطار هو المباح. فصممت على الطريقة، وذهبت إلى الحديقة. فقطفت ما حصل، من الطماطم والبقدونس والبصل. وقد اخترت البصل الأخضر لأنه في العين أنضر. فما فائدة العين إذا لا تتجنب الشين، وتختار الزين، كما قال المتنبي:

وما انتفاع  أخي  الدنيا  بناظره

إذا استوت عنده الأنوار والظلمُ

 

فتحمّست وحمّست كلما اجتمع في الماعون، مما كان ويكون، في زيت الزيتون. ثم أضفت عليه "المشروم" المفروم، وألقيت فيه من البيض، غيضًا من فيض. وفعلت ما يفعل الطهاةْ، بتقليب كل ذلك في المقلاةْ.

ثم أتينا بخبز البيت، مع الفول والزيت. ووضعنا على المائدة ذلك الطبيخ، الذي ليس له مثيلٌ في التاريخ، لا في الأرض ولا في المريخ. فتهنيت بذاك الفطور، الذي أغناني عن السحور.

وقال القاضي المصري محمد عثمان جلال (ت: 1898):

وَفي الصَباح لِلفَطور أَنزلُ

وَأَشتري الفول  ومِنهُ  آكلُ

وَرُبَّما  في  أَغلب   الأَيام

أفطر  بِالعَيش  بِلا   إِدام

 والسلام عليكم 29-4-2020

© 2019 by Dr. Hajar