top of page

آخر عهد قيس بليلى

وذكر الرواة أنه لما اختلط عقل قيس بن الملوح وترك الطعام والشراب، مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: إن قيساً ذهب حُبُّك بعقله، وترك الطعام والشراب، فلو جئته وقتاً لرجوتُ أن يثوب إليه عقلُه، فقالت ليلى: أما نهاراً فلا، لأني لا آمنُ قومي على نفسي، ولكن ليلاً. ولما عرف أن ليلى ستعودُه قال:

تعود   مريضاً    أسقــمته     بهجرها       ولو عاودته عاد  لا يعرف السُّقما
لقد أضرمتْ في القلبِ ناراً من الجوى       فما تركتْ عظماً  ولا تركت  لحما
وإني  على   هِجرانِها     وصــدودها       وما حلَّ بي منها  أرى حبَّها حتما
خليليَّ    كُفَّا  لا    تلــوما    متـــيماً       ولا  تقتلا  صَبًّا   بلــومِكُما   ظلما
1

فأتته ليلاً فقالت له: يا قيس إن أمّك تزعُم أنك جننت من أجلي وتركت المطعم والمشرب، فاتّقِ الله وأبقِ على نفسك، فبكى وأنشأ يقول:

قالت جُننتَ على أيشٍ فقلت لها    الحبُّ  أعظمُ  مـما   بالمجانينِ
الحبُّ ليس يُفيق الدَّهرَ صاحبُهُ    وإنما يُصرعُ المجنونُ في الحينِ

فبكت ليلى معه، وتحدثا حتى كاد الصبح أن يُسفر، ثم ودعته وانصرفت فكان آخرَ عهدِه بها. ولكني أشك في صحة نسبة البيتين المذكورين أعلاه للمجنون لعدة أسباب منها: ليس في كتب الأدب ما يثبت استعمال كلمة "أيش" - المخففة من أي شيء - قبل العصر العباسي بكثرة، كما أن هناك عيباً في القافية، فالبيت الأول فيه ألف التأسيس (مجانين) خلت منها قافية البيت الثاني، كما أن البيت الأول يروى (قالت جننتَ على رأسي).

ومما قال بعد الوداع:

ومما  شجاني أنها حينَ ودّعت        تقول  لنا  أستودعُ   اللهَ  مَنْ  أدري
وكيف أعزّي النفس بعد  فراقها        وقد ضاق بالكتمان من حبها صدري
فواللهِ    واللهُ    العــزيزُ  مكانُه        وقد كاد  روحي أن  يزول  بلا أمري
خليليَّ  مُرّا بعد  موتي  بتربتي        وقولا  لليلى  ذا  قتيلٌ   مـن   الهجرِ

الشرح:
1.  الصَّب: المائل لجهل الفتوة واللهو والغزل، والفعل صَبا.

bottom of page