أصحابي وأصحاب مجلسنا الأعزاء،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا حظت أن بعض الأصدقاء من خارج دول الخليج، الذين انضموا لمجلسي (مجلس الثلاثاء) حديثًا، لا يعرفون أنه ليس هناك حاجة لدعوتهم لكل جلسة من جلسات المجلس، وإنما كنت أخبرهم بين آونة وأخرى بموعد الجلسة أو موضوعها للتذكير فقط. فأرجو العلم بأن المجلس قائم على أي حال، مساء الثلاثاء من كل أسبوع إن شاء الله، ما لم يطرأ مانع. كما أنه لا داعٍ للاعتذار، فلا تكتبوا لي عن أسفكم لعدم تمكنكم من الحضور. فمجلسي مستمد نظامه من مجالسنا الخليجية التراثية التي يسرني أن أشرحها لكم أدناه. وساخبركم بالوتس أب إذا سافرت أو أغلقت المجلس لأسبابٍ قاهرة، وكذلك عندما أعود لفتح المجلس.

وبالإصالة عن نفسي ونيابة عن أصحابي القطريين في المجلس نرحب بكم أيها الأخوة العرب من البلادان العربية المختلفة في مجلسنا، كما يسرني شخصيًّا أن أبين لكم في هذه الرسالة تاريخ مجلسنا هذا، ثم أقدم لكم شرحًا لنظام المجلس في الخليج للعلم، وذكر مجلس والدي كمثال لذلك. وحبذا لو نسمع منكم عن نظام المجالس عندكم.

       تاريخ (مجلس الثلاثاء)

لقد بدأت مجلسي بصورة غير منتظمة سنة 2001، أي قبل عشرين سنة، ولكن في سنة 2002 بمناسبة تدشين ديواني (لامية الخليج)، بحضور مجموعة من الأصدقاء وأساتذة اللغة والأدب من وزارة التربية وجامعة قطر، قررت أن يكون لنا مجلس أدبي للاستفادة علميًا وأدبيًا وثقافيًّا من تلك المجموعة المرموقة من الأساتذة، ووكان فيهم القليل من أصحابي القطريين. فطرحت الفكرة على الحضور، فوافق الجميع عليها. فكان مولد مجلس الثلاثاء في ذلك اليوم من تلك السنة 2002. فكانت الجلسات منتظمة وممتعة جدًا. وعندي مثال لإحدى تلك الندوات في تعميم أصدرته للأعضاء:

الندوة الأدبية بتاريخ 14/2/2006

المتحدث: الدكتور صلاح كزارة

الموضوع: مصادر معرفة المعرب والدخيل في اللغة العربية قديماً وحديثاً

الحضور:

د. محمد كافود

د. حسن نعمة

د. صلاح كزارة

د. عبد الرحمن عطبة (زائراً).

الأستاذ حسام الخطيب

الأستاذ هاني الطايع

الأستاذ زهدي أبو خليل

الأستاذ عبد الله إبراهيم

الأستاذ عيسى  العاكوب

د. حجر البنعلي

الندوة القادمة: سيتحدث د. حسام الخطيب عن اللغة.

صورة جماعية للمذكورين أعلاه المشاركين في الندوة:

 

 

 

ولكن تأثر مجلسنا بتغييرات في جامعة قطر عند عدم تمديد فترة عمل الأساتذة من أعضاء المجلس. فكان أول من غادر قطر منهم أستاذ النقد الأدبي الدكتور إبراهيم عوض الذي عاد إلى مصر سنة 2005، ومما قلت في وداعه في أخر جلسة له معنا:

 ودِّعْ  كريماً عالِماً  وحكيما

يا مَن وقفتَ تودّعُ إبراهيما

يأيها الأستاذُ  قمتُ   مودِّعاً
فاقبلْ وَداعي يا أخي منظوما
ستعودُ للأهلِ الكرامِ وصحبِكم
لا فاقداً  خيراً   ولا  مَهموما

 وفي سنة 2007 ودعنا الأساتذين السوريين معًا، عيسى العاكوب وصلاح كزارة، ومما قلت في توديعما في جلسة ليلة الثلاثاء 29-5-2007:

 عيسى  يغادرُ جمــعَنا وصَلاحُ

فتَحِلُّ   أشجـانٌ   بنا  وجِراحُ

عيسى الذي أحصى مناقبَ شاعرٍ

متصــوِّفٍ،  بجَـلالهِ   صدّاحُ

من حبِّهِ الــروميَّ أتقنَ لفـظَه

فلسـانُـهُ  في  فهـمهِ  مِفتاحُ

وصلاحُ نــوَّرَ ليلَـنا  بضيائهِ

فصلاحُ مِصباحٌ لنا وصَلاحُ

إنْ آنَ للصـحبِ الكـرامِ رَواحُ

فالذكرُ بـاقٍ  بيننا  لو  راحوا

 وكان ذلك هو صحيح، فذكرهم ما زال باق في قلوبنا. وكان يرأس ندواتنا في المجلس، الأديب الأستاذ هاني الطائع، الذي انتقل إلى رحمة الله يوم الثلاثاء 13-1-2009، ومما قلت في رثائه:

 في جنّةِ  اللهِ   دار الخلدِ  يا هـاني

في طاعةِ اللهِ كنتَ الطائعَ  الهاني

قد  كنتَ  تُحيي لنا  جَلساتِنا  أدَباً

كنتَ  الرئيسَ    لأحبابٍ   وأقــرانِ

في   كلِّ  شهرٍ  تُوافينا   بجَــوهَرةٍ

قد كنتَ نجماً وما في الدارِ نجمانِ

أبكاكَ بالأمس شعري في رثاءِ أبي

واليومَ شعرُ  رثائي  فـيكَ   أبكاني

 وبوفاة الأستاذ هاني في سنة 2009، وعودة كبار الأدباء إلى بلدانهم، تعذر الاستمرار في الجلسات الأدبية، فحولنا جلسات المجلس إلى جلسات اجتماعية، تتخللها أحيانًا محاضرات ثقافية في الأدب والتاريخ والصحة والأحوال السياسية المؤلمة في الوطن العربي. وانضم للمجلس أصحاب قطريون آخرون فكبرت المجموعة. ولكن الأستاذ حسام الخطيب أقعده المرض فتوقف عن الحضور. ثم لم نفقد من أعمدة المجلس بعد ذلك إلا العراقي الأستاذ عبد الله إبراهيم، الذي غادر قطر في بداية أزمة كورونا، واستمر مشاركًا معنا حتى الآن في مجموعة مجلس الثلاثاء من بعد، مما يعطينا شعورًا بأنه ما زال معنا قلبًا وشعورًا. وهذا نموذجًا من مشاركة معظم الأعضاء في الأحاديث:

نموذج من المحاضرات في سنة 2014

المواضيع السابقة:

د. حجر:        المتنبي

د. حسن:       بدوي الجبل

الاستاذ زهدي: عمر أبو ريشة

 

 

وفي دورتنا الحالية حضر اجتماعنا الأول بعد إنحسار وباء كورونا قبل أسبوعين 18 صاحبًا. ولكن معدل الحضور الأسبوعي يتراوح عادة بين 12 و 14، ونادرًا ما يحضر 18 شخصًا.

       المجلس في الخليج

لقاء الأصدقاء والمعارف في مجلسٍ في الفريج (الحي)، من العادات الخليجية المتوارثة منذ القدم. لذلك فالمقتدر على وضع مجلس، ينشئه منفصلاً عن المنزل أو يفتح بابه إلى خارج البيت، حتى يسهل على الضيوف الدخول والخروج بحرية، دون استئذان، فلا يتعارض مع خصوصية صاحب الدار وأهله.

فالمجلس كان بمثابة ناد للحي أو لمجموعة من الجيران، يتابدلون فيه الأخبار والحوادث والأمور الخاصة بمجتمعهم، والحكايات والنوادر. ولقد حضرت مجالس في الإمارات وقطر ووجدتها متشابهة كثيرًا. وحضرت مجالس في الكويت، إذ يسمونها ديوانيات، ويغلب عليها الآن النقاش السياسي.

وبعد افتتاح المدارس والجامعات، وزوال الأمية، وبروز المتعلمين والمثقفين في المجتمع الخليجي، تطور مفهوم بعض المجالس الاجتماعية القليلة فأخذت طابع النوادي والمنتديات والصالونات الثقافية والأدبية وحتى السياسية حديثًا بعد انفتاح نافذة من الحرية للمواطنين في التعبير عن آرائهم في الخليج في حين حافظت بقية المجالس على وضعها التقليدي القديم.

       مجلس والدي

أما أخوكم الفقير إلى ربه، فكان لوالده مجلس دائم، في رأس الخيمة أولاً ثم في قطر. والعادات الخليجية بالنسبة للمجالس في الإمارات وقطر والبحرين متشابهة جدّا كما ذكرت. فمجلس والدي يفتح للضيوف بين العصر والمغرب، ولكوني الولد الوحيد للوالد آن ذاك، كنت منذ السابعة من عمري في المدرسة صباحًا، وبعد العصر أجلس في اجلس الوالد، كواجب اجتماعي، أصب القهوة للضيوف. ولم يظهر أخي يوسف في الوجود إلا في قطر بعد أن بلغتُ 16 عامًا من عمري.

 

هذا مجلس الوالد التراثي في رأس الخيمة وبابه على الشارع

 

وقد ذكرت مجلس الوالد في قصيدتي (لامية الخليج) التي تزخر بالألفاظ "الخليجية" التراثية، ومما قلت:

 فمجلِسُه   المفــتوحُ   لا  ســورَ   حولَه

ولا  حاجبَ  الزوارِ  أو  مـــانعَ   الوصْلِ

 فتمــــشي   لهُ   الأقـوامُ  مـن  كلِّ بُقْعَةٍ

لسمعِ   حــديثٍ   أو   ســـلامٍ   وللفَصْلِ

فمـــجلسُنا     يكتَظُّ    بالنـــــاسِ   دائماً 

وترتصُّ  حـولَ   البـــابِ   أطْبِقَةُ  النِّعْلِ

وبعــــدَ   صَلاةِ   العصرِ أَحضرُ  طـائعاً

لرَفدِ  جمـوعِ   الناسِ  بالشُّــربِ  والأكْلِ

فأُحضِرُ   بعـــدَ    الأكـلِ  دلاّتِ  قَــهْوةٍ

فنــاجينُها    تهتزُّ في  طَاســةِ  الغُسْلِ

وأَنقلُ    للأضــيافِ   جــمراً    بمِبْــخَرٍ

 يُدخِّنُ فـيهِ  العودُ  من صَنْـــدَلٍ أصلي

وأسمعُ  مـــن  رُوَّادِ   مجلسِ   والـدي

أحاديثَ  آدابٍ   وأخــبارَ  مَنْ حــــولي

فأَكسِبُ  منــــها   خِبْرةً      ومــعـارِفاً

تُوسِّعُ   آفاقــي  وتُنْقِـصُ مِنْ  جَهْلي

فتَرْسَخُ في  ذِهْنـــي   مكـــــارمُ  أمَّتي 

وأخــلاقُ  آبائي  وأفكــارُ مَنْ  قَــبْلي

فمدرَسَتي  الأولى  مـــجـالسُ  والدي

 أدينُ  لها بالــعلمِ  والحـلمِ والفَــضْلِ

 

كما ذكرت في لامية الخليج (مجلس النسوان) في المساء، والذي كانت أمي تأخذني إليه معها، وأنا طفل صغير. ووصفتُ فيه بخور النسوان من ذاكرتي (والشرح في الديوان):

 أيا  أمِّ  إني  قد  تذكرتُ ليلةً

بها عمتي تقرا كتابًا على مهلِ

وقد كان عشرٌ من نساء فريجنا

يحطن بها والكلُّ منسجمٌ مثلي

فما نمت كالمعتاد قربكِ  عندما

تطول أحاديث النساء على الطفلِ

وفي مبخر النسوان جمرٌ  مكدّسٌ

يهيجهُ مسكُ البخور لدى الوصلِ

ويخرج من  تحتِ  الثياب  دخانه

يطوف على الجدران من سعف النخلِ

فنروح عطر المسك في خوص دارنا

كأن جريد الدار  مسكٌ  على   رملِ

 

وفي سنة 1958 انتقل الوالد إلى قطر، واستقر فيها كقاض شرعي، وفتح مجلسه الخاص في المنزل، بين العصر والمغرب، كما كان يفعل من قبل، لكل من شاء أن يزوره، عالمًا كان أو أميًّا، ولكنه وظف مقهويًا يصب القهوة في المجلس. وكان المجلس اجتماعيًا في الغالب، ولكن تقام فيه جلسات فقهيه وشرعية وأدبية وتاريخية حسب تخصصات ورغبات الضيوف وميولهم.

فإن وجدتموني، أيها أخوة، أفاجئكم في مجلسي الحالي بالدعابات والنكات للتسلية أحيانًا، فقد تعلمت ذلك مما كان يفعله والدي في مجلسه. وكان يعطي الحاضرين في المجلس نصيبهم من الاهتمام. فعلى سبيل المثال كان في المجلس مرة رجل أمي يعمل في تجارة الأغنام، وكان في المجلس مجموعة من المصريين الأزهريين - كما روى لي الأخ يوسف، الذي كان حاضرًا- فكان النقاش محتدمًا حول مواضيع فقهية.  لاحظ الوالد أن صاحب الغنم بان عليه الملل من النقاش الفقهي، فحول الوالد الحديث نحوه مجاملة، وسأله عن أخباره. فانطلق يتحدث عن أغنامه وأنوعها، وصفقات بيعها، فأطال الحديث، حتى مل الأزهريون حديثه، فقالوا للوالد: اسمح لنا بالانصراف يا شيخ، وسنكمل الحديث في الجلسة القادمة. فقال الوالد ضاحكًا على البديهة: "لا باس، الحديث ذو قرون".

ومن الطرائف أن إمام مسجد باكستاني، دخل المجلس مودعًا، وقال للوالد بانه سيذهب للعمرة، وشرح قائلاً بعربيته المكسرة: "ساذهب أولاً إلى المكة، ثم إلى مدينة، فهل تأمرني بشيء ياشيخ؟" فأجاب الوالد: "نعم، خذ الألف واللام معك من مكة إلى المدينة".

وأكتفي بهذا، وموعدنا في المجلس غدًا إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجر