هاجس الموت:

وصل بدر بيروت يوم 15/4/1962 للعلاج، ومنذ اليوم الأول أدرك أنه لا أمل له في الشفاء من مرضه، بل كان يتوقع الموت، وقصيدته (سهر) التي كتبها في نفس اليوم عندما لم يستطع أن ينام، تدل على فقدانه الأمل في الشفاء، وتوقعه لنهايته المأساوية منذ ذلك الوقت المبكر حيث كتب:

 
سهرت لأنني أدري
بأنيَ لن أقبلَ ذات يومٍ وجنة الفجرِ

سيُقبل مُطلقاً في كلِّ عشٍّ نغمةً وجناحْ

وسوف أكون في قبري  (11).

 

وبعد أسبوعين من علاج لم تثبت جدواه، كتب قصيدة (نداء الموت) في 3/5/62 ومما قال فيها:

 

يمدّون أعناقهم من ألوف القبور يصيحون بي: أن تعال

نداء يشق العروق، يهز المُشاش، يبعثر قلبي رمادا...

 

ثم يتخيل أمه تناديه من قبرها في هذه القصيدة، وسيكرر الحوار والمناجاة مع أمه في قصائد قادمة مع تقدم المرض، يلوذ بأمه كلما اشتد عليه المرض أو ساءت حالته النفسية، يتخيل أنها تناجيه تارة ليلحق بها في عالم الأموات، ويناجيها تارة أخرى يخبرها بقرب سفره إليها، أو يطلب العون منها:

 

وتدعو من القبر أمي

"بنيّ احتضنّي فبرد الردى في عروقي"

 

ثم يختتم القصيدة قائلاً:

 

فيا قبرها افتح ذراعيك...

إني لآتٍ بلا ضجةٍ، دون آه!  (7) .

 

 لقد أدركت من قصائده أن هاجس الموت يلاحقه دائماً حتى قبل المرض، ولكن المرض عمّق شعور الموت فيه بعد أن أدرك حقيقة مرضه، فصارت فكرة الموت تلح وتطغى على تفكيره، فكتب في 19-6-62 وهو في بيروت (الوصية)، وهي قصيدة يرثي فيها نهايته التي لا مناص منها، ويوصي زوجته أن تعوض ابنه حنان الأب المفقود بعد موته:

 

على القيامة الصغيرةْ:

يحمل كل ميِّتٍ ضميره

يشعُّ خلف الكفن المدثّرِ

 

ماذا لو ان الموتَ ليس بعده من صَحْوه

فهو ظلامٌ عدمٌ، ما فيه من حسٍ ولا شعور‍‍

 

أكلَُها لهذه النهاية؟ 

تُرى الحِمامُ للحياة غاية؟

 

إقبال يا زوجتي الحبيبة

لا تعذليني ما المنايا بيدي

ولستُ لو نجوتُ بالمخلَّدِ

كوني لغيلان رضاً وطيبة

كوني له أباً وأماً وارحمي نحيبه

لا تحزني إنْ مت أي باس...   (11).

 

وبعد خمسة أشهر من علاج غير مجدٍ في بيروت والمرض يتقدم، عاد إلى البصرة، ولجأ للطب الشعبي والتداوي بالأعشاب، ثم عمد إلى التعاويذ بلا جدوى، كما ذكر عيسى بلاطة (8). فقد كان على استعداد لأن يجرب أي نصيحة بحثاً عن أي بصيص لأمل بعلاج، لكن وللأسف باءت كل محاولاته بالفشل. ولتكرار النصيحة من محبيه وأقاربه بالسفر إلى بريطانيا لعله يحظى بعلاج ناجع فيها، قرر الرحيل إليها. فسافر إلى لندن في 16-12-62.

وفي لندن والمرض يشتد ويستفحل، كتب سلسلة من القصائد سماها (سفر أيوب) وقصائد أخرى تدور حول معاناته وانتظار الموت، ولم تكن تلك القصائد إلا دفترَ ملاحظات لشعوره اليومي، وكانت أقرب للنثر من الشعر، وقد خاطب زوجته في (سفر أيوب رقم 5) 31-12-62 يواسيها بأنه حي ولكنه قريب من الموت:

 

إيه إقبال لا تيأسي من رجوعي

هاتفاً قبل أن أقرع الباب: عادا

عازرٌ من بلاد الدجى والدموع...

 

قبليني على جبهةٍ صكها الموت صكاً أليما

حدقي في عيونٍ شهدن الردى والمعادا  (7)

 

ثم صور الموت القادم إليه كأنه طير جارح ينقض عليه، وهو عصفور صغير بين العصافير البريئة في قصيدة (سفر أيوب رقم 9)  التي كتبها في 2-1-63:

 
وانخطف الموت عليّ كانخطاف الباشقِ 
على العصافير، أحال ظهري عمود ملْحٍ أو عمود جمرِ...

 

وفي نفس القصيدة دخل حلبة الصراع مع الموت متسلحاً بقلمه، كان يصارع الموت بالشعر:

 

بالشّعر، بالمُبرقِ، بالمُجلْجلِ المدوّي 
رميتُ وجه الموت يهوي نحوي

كأنه الستار في رواية هزيلةْ

رميت وجه الموت ألف مرّةْ

إذا أطلّ وجهه البغيضُ

كأنه السيرين يسعى جسميَ المريضُ..

نحو ذراعيه بلا ترددِ

فأنتضي سيفي المجردِ

ويقطر الشعرُ ولا يغيضُ

لأنني مريضُ

أودّع الحياةَ أو أشُدّ بالحياةِ

بخيطه الموروثِ عن أمواتِ

لم يدفع الشعر مناياهم وقد، جاءت إليهم غيلهْ ! (7)

 

وفي نفس اليوم الذي كتب فيه القصيدة الأخيرة أعلاه، كتب قصيدة أخرى يملأ فيها وقت فراغه الطويل (وصية من محتضر) في 2-1-63:
 

إن متّ يا وطني فقبرٌ من مقابرك الكئيبة

أقصى مناي، وإنْ سلمتُ فإن كوخاً في الحقولِ

هو ما أريدُ من الحياة...

 

أنا قد أموت غداً، فإنّ الداء يقرض غيرَ وانِ

حبلاً يشدّ إلى الحياة حطام جسمٍ مثلِ دارِ

نخرت جوانبها الرياحُ وسقفَها سيلُ القطار

أنا ميتٌ، لا يكذب الموتى، وأكفر بالمعاني

إن كان غير القلب منبعها فيا ألق النهارِ.. (7)

 

ثم كتب بعد أربعة أيام (الشاهدة) وهي لوحة توضع على القبر، وذلك في 6 -1-63 في (درم) وكأنه يريد أن يخبر الأحياء ما لاقاه في القبر من ظلام دامس وصمت رهيب، بلا طعام ولا هواء. لحافه في القبر دود القبر. ولكنه في الواقع كان يَرثي نفسه في القصيدة، ويتخيل بقلق شديد ما سيؤول إليه، ويتحسر على الحياة التي سيفارقها في سفر لا عودة منه، وسيمر الناس على قبره المندثر، وسيتعجبون أن يكون ذلك الشاعر الذي فجر العواطف بشعره أصبح رميماً لا أثر للحياة فيه:

 

"يا قارئاً كتابي

ابكِ على شبابي"

شاهدة بين القبور تبكي

تستوقف العابر يا صحابي

غضوا الخطى ولتصمتوا: إن القرونَ تحكي

في جملة خطت على الترابِ

من نام في القبر ودودَ القبرِ؟ 

يُسأل لا ينطق بالجوابِ ؟!

سيانِ عنده ائتلاقُ الفجر

وظلمة الليل بلا ثيابِ

بلا طعام، لا هوىً، لا حقدُ

أفقر أهلِ الفقر

فيه أغنى الأغنياء، تعدو

في قبره الجرذانُ وهو غافِ

نام من الديدان في لحافِ!

في نومة مع التراب في غدِ

صباحها أولُ ليل الأبدِ

يمرّ بي الشيوخُ والشبّانُ

يثرثرون: "يدها فوق يدي

وعينها.." ويُنفث الدخانُ!

 

ربَّ فتى مورَّدِ

يقرأ من شعري على الصحابِ...

مرّ على قبري فقال: "قبرُ!

وأين من هذا الرميم الشعرُ

 يدفقُ بالعواطفِ

كهبّةِ العواصفِ القواصفِ ؟"

مرّ على قبري وكاد الصخرُ،

يصرخُ: "تحتي نام هذا الشاعرُ

صاحبُ هذه القوافي، يَسمعُ

ما قلتموه فالعيون تدمعُ

في عالم لا يرجع المسافرُ

منه ولا للنومِ فيهِ آخرُ

رفقاً به، دعوه في رقدتهِ

تؤنسهُ الديدانُ في وحدتهِ

كان له قلبٌ وكان أمسُ

حتى إذا استنزف من مدتهِ

توسد الترابا، لا تقرؤوا الكتابا"

ثم تغيب الشمسُ!  (7)

 

ثم بعد ثلاثة أيام أخرى وهو بعيد عن ابنه وآله وعياله في (درم) كتب قصيدة أطلق فيها عنان شعره للخيال، وهاجس الموت جاثم على صدره. تخيل ابنه غيلان يبكي فسمى القصيدة (أسمعه يبكي) كتبها في 9-1-63 إذ شعر أنه على باب الموت، الموتِ الذي لا خوف فيه من داء، ولا حاجة فيه للمال الذي افتقر إليه طول حياته. وتخيل نفسه أنه ينتظر دخول باب الموت من خلال مستشفى، ترحب به الأموات. وتخيل أمه ترحب به وتمد له يدها، ولكن الطبيب أخرجه من ذلك الخيال السارح، وبمناداة اسمه ذكّره بأنه لا زال حياً، وكأن الطبيب أغلق باب الموت في وجهه ومنعه من دخوله، فانهزمَ موتٌ كان قد استسلم الشاعرُ له، ولكنه انهزام مؤقت:
 

أسمعُه يبكي يناديني

في ليليَ المستوحد القارس

يدعو: "أبي كيف تخليني

وحدي بلا حارسِ؟"

غيلان، لم أهجرْكَ عن قصدِ

الداء يا غيلان أقصاني...

 

سأطرق البابَ على الموت في دهليزِ مستشفى

في البرد والظلماء والصمتِ

سأطرق الباب على الموتِ

في بُرهةِ طال انتظاري بها في معبر من دماء

وأرسل الطرفا

فلا أرى إلا الدجى والخَواء

يا ويلتي إن يُفتحِ البابُ

فأَبصر الأمواتَ من فرجتِهْ

يدعونني: "مالك ترتابُ، بالموتِ؟ في هجعته

ما يعْدل الدنيا وما فيها:

دفء، نعاسٌ، خدَرٌ وارتخاء!"

أُوشك أن أعبر في برزخٍ من جامدات الدماء

تمتدُّ نحوي كف أمي بين أهليها:

"لا مالَ في الموتِ، ولا فيه داء!"

ثم تسدّ الباب كفُّ الطبيب

تجرح في جسمي

هاتفاً باسمي

أسمع صوتاً ناعساً، قد أجيبْ

فيُهزم الموتُ على صوتي

 وربما استسلمتُ للموتِ  (7).

 

ولكن فكرة هزيمة الموت لم تدم ولن تدوم، حيث عاد إلى الموت أو عاد الموت إليه، يكر عليه، في اليوم التالي عندما تخيل جنازته تهتف به كما قال في (القصيدة والعنقاء) في 10-1-63:

 

جنازتي في الغرفة الجديدة

تهتف بي أن أكتب القصيدة، فأكتبُ

ما في دمي وأشطبُ

حتى تلين الفكرةُ العنيدة (7).

 

وبعد ما يقرب من شهرين في بريطانيا أجريت له فحوصات طبية في مستشفى (سانت ماري) في لندن، للتأكد من عدم وجود تدرن فقاري، وقد أخذت له صور بالأشعة للفقرات والنخاع الشوكي (Myelogram) وفحص للسائل النخاعي، وكانت النتائج سلبية، لأن مثل هذه الفحوصات والبحوث الطبية لا تكشف مرض (ALS) الذي يعاني منه السياب. وبعد أربعة أشهر من علاجه بالمهدئات وفيتامينات بدون تحسن أو أمل في الشفاء، أدرك أن الموت أصبح قريباً، فكتب وهو في المستشفى قصيدة سماها (في المستشفى) في 5-2-63 أثناء فصل الشتاء في لندن، يعترف فيها بخوفه من موته:


كمستوْحدٍ أعزلٍ في الشتاءْ

وقد أوغل الليل في نصفه

أفاق فأيقظ عين الضياء

وقد خاف من حتفه

 

فقد يكون قد غفا قليلاً واستيقظ مرعوباً، أو تخيل من يكسر الجدار عليه، أهو الموت أم لصوص يكسرون الجدار؟ على أي حال فهو يعرف أنه ليس هناك أمل في الشفاء، وأن الموت خلف الجدار ينتظره:

 

أفاق على ضربة في الجدارْ

-هو الموتُ جاء!

وأصغى: أذاك انهيار الحجارْ

أم الموت يحسو كؤوس الهواء؟

لصوصٌ يشقون درباً إليه

مضوا ينقبون الجدار...

وما عنده غير محض انتظار:

هو الموت عبر الجدار!  (14).

 

وبعد أن صارحه الطبيب البريطاني بأنه لا علاج لمرضه، ذهب إلى فرنسا في 15/3/1963 لعله يجد فيها العلاج الناجع الذي يبحث عنه. وفي فرنسا وقع في غرام فتاة تستحق الذكر في الحلقة القادمة.

 

المراجع:

  1. بدر شاكر السياب دراسة في حياته وشعره: إحسان عباس (1983).

  2. إقبال: بدر شاكر السياب.

  3. رسائل السياب: ماجد السامرائي.

  4. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.

  5. البواكير: بدر شاكر السياب.

  6. أعاصير: بدر شاكر السياب.

  7. منزل الأقنان: بدر شاكر السياب.

  8. بدر شاكر السياب حياته وشعره: عيسى بلاطة (1987).

  9. قيثارة الريح: بدر شاكر السياب.

  10.  الهدايا: بدر شاكر السياب.

  11.  المعبد الغريق: بدر شاكر السياب.

  12.  بدر شاكر السياب ج1 ص19: إيليا حاوي.

  13.  أزهار وأساطير: بدر شاكر السياب.

  14.  إقبال وشناشيل ابنة الجلبي: بدر شاكر السياب.

  15. Solomon: Handbook of Psychiatry

  16.  شعر بدر شاكر السياب: حسن توفيق.

  17. K. Kiple: The Cambridge World history of Human Disease  

  18. Harrison’s: Principles of Internal Medicine 14th Edition  

  19.  ديوان بدر شاكر السياب: ج2 ناجي علوش

  20. http://www.projo.com/special/noel/main.htmA Time to   Die :

  21.  ديوان أبي فراس الحمداني.

© 2019 by Dr. Hajar