تطبيب المجنون

إدراك قيس لحقيقة مرضه وعلاجه:
كلنا يعرف أن داء قيس بن الملوح الأول هو العشق، وأن الأمراض الأخرى التي أصيب بها أواخر حياته كتصلب شرايين القلب واختلال النبضات الكهربائية للقلب، كانت ثانوية ناتجة عن الداء الأول. ولقد عرضه أهله وأصدقاؤه على أطباء وكهان لعلاجه من أعراضه الواضحة لهم من هزال و"جنون" وإغماء. أما المجنون فإنه كان يعرف أنه لا يعاني جنوناً حقيقيًّا، وقد قال:

يَقولونَ مَجنونٌ يَهيمُ بِذِكرِها       ووَاللَهِ ما بي مِن جُنونٍ وَلا سِحرِ

ولكنه يعترف بأنه كان يعاني اليأس وداء العشق:

بيَ اليَأسُ أَو داءُ الهُيامِ أَصابَني       فَإِيّاكَ عَنّي لا يَكُن بِكَ ما بِيا


 ويَعرف أن ليلى مرضُه وشفاؤه. فهي التي أصابت قلبه بالداء، وهي البلسم المطلوب للشفاء، أي إنها هي الداء والدواء كما قال:

وَكَيفَ أُعَزّي القَلبَ  عَنها  تَجَلُّداً       وَقَد أَورَثَت في القَلبِ داءً مُكَتَّما
وَلَو مَسَحَت بِالكَفِّ أَعمى لأذهَبَت       عَماهُ وَشيكاً ثُمَّ  عادَ  بِلا عَمى
فَتِلكَ  الَّتي مَن  كانَ  داءً  دَواؤهُ       وَهاروتُ كُلَّ السِّحرِ مِنها تَعَلَّما
 
(أ)

وفي نفس المعنى قال(1):

مفلَّجةِ  الأنيـابِ   لو   أن   ريقها      يداوَى به الموتى لقاموا   من   القبرِ (ب)
إذا  ذكرت   لـيـلى   أُسَرُّ  بذكرها      كما انتفض العصفورُ من بلل القطرِ
تداويت من ليلى بليلى عن الهوى      كما يتداوى شـارب  الخمر    بالخمرِ
لقد فُضِّلتْ ليلى على الناس مثلما     على ألفِ شهرٍ  فُضِّلتْ  ليـلة   القدرِ 


ويقول قيس إن داءه - وهو حب ليلى - قديم، والحب القديم راسخ أكثرَ من الجديد، ولذلك فهو أشد فتكاً:
أَلا إِنَّ أَدوائي بِلَيلى قَديمَةٌ       وَأَقتَلُ داءِ العاشِقينَ قَديمُها

وهي التي سرقت قلبه بل هي نفسها الطبيب:

سَبى القَلبَ إِلا أَنَّ فيهِ تَخَلُّداً       غَزالٌ بِأَعلى الماتِحَينِ رَبيبُ
فَكَلِّم  غَزالَ  الماتِحَينِ  فَإِنَّهُ       بِدائي وَإِن لَم يَشفِني لَطَبيبُ

ويكفينا قيس عناء البحث والفحص والتشخيص، فيشرح لنا مرضه بأنه وساوسُ وهموم ناتجة عن عشقه، ثم يعجب من الطبيب الذي جاء به أهله لعلاجه من دائه المستعصي، كيف لم يعرف التشخيص والعلاج الذي عرفه قيس بنفسه؟ وادعى المجنون أنه لو استطاع أن يرى ليلى لشُفي من مرضه:

تَبَدَّلتِ  مـن   جَدواكِ  يا  أُمَّ  مالِكٍ       وَساوِسَ هَمٍّ يَحتَضِرنَ   وِسادِيا
بِيَ  اليَومَ  داءٌ   لِلهُيامِ    أَصـابَني       وَما مِثلُهُ  داءً  أَصابَ   سِوائِيا
إِذا الحُبُّ أَضناني دَعوا لي طَبيبَهُم       فَيا عَجَباً هَذا  الطَبيبَ  المُداوِيا
وَقالوا  بِهِ  داءٌ  قَدَ   اعيا    دَواؤُهُ       وَقَد عَلِمَت نَفسي مَكانَ   شِفائِيا 
لإن  ظَعَنَ  الأَحبابُ  يا  أُمَّ  مالِكٍ       لَما ظَعَنَ الحُبُّ الَّذي في فُؤادِيا
أَلا  لَيتَنا  كُنّا  جَميعاً   وَلَيتَ  بي       مِنَ الداءِ ما  لا يَعلَمونَ   دَوائِيا
خَليلَيَّ  أَمّا   حُبُّ    لَيـلى   فَقاتِلٌ       فَمَن لي بِلَيلى قَبلَ مَوتٍ عَلانِيا
شَكَرتُ  لِرَبّي  إِذ   رَأَيتُكِ     نَظرَةً       نَظَرتُ بِها لا شَكَّ تَشفي هُيامِيا

فيأسه من وصال ليلى هو علته، ولم يشفق عليه أهل ليلى وأبناء عمها:

بَني عَمِّ لَيلى لَو شَكَوتُ بَليَّتي       إِلى راهِبٍ في دَيرِهِ  لَرَثى لِيا
فَلا  نَفَعَ  اللَهُ  الطَبيبَ  بِطِبِّهِ       وَلا أَرشَدَ اللَهُ الحَكيمَ المُداوِيا

ولمعرفة أساليب العلاج التي خضع لها مريضنا العاشق، فإنه من المجدي أن نستعرض حال الطب والعلاج أيام المجنون، تلك الفترة التي كثر فيها المحبون العذريون أمثاله في صدر الإسلام، وأدواؤهم الحقيقية نابعة من العشق، وكيف حاول أطباء ذلك العصر تشخيصهم وعلاجهم.

طب الكهان والسحرة:

لقد سيطر الكهان والسحرة على الطب والعلاج عند العرب القدامى كما هو الحال عند أمم كثيرة منذ ما قبل التاريخ، أي قبل أن يخترع السومريون الكتابة في بلاد ما بين النهرين (العراق) حوالي 3000 سنة قبل الميلاد. فالسومريون أنفسهم أول من اعتبر الأرواح الشريرة والأشباح مسببة للأمراض. لذلك اعتمدوا على الكهان والسحرة لطرد الأرواح الشريرة بالتعاويذ والرقى. كما أنهم اعتبروا بعض الأمراض تقع بسبب غضب الآلهة، فخطبوا ودّها ورضاها بالنذور والقرابين مباشرة أو بواسطة الكهنة والعرافين. وانتقلت منهم تلك الأفكار إلى العرب وأمم أخرى. ولا أستبعد أن أمماً بدأت تلقائيًّا بالفطرة تمارس أفكاراً وطرقاً بدائية مماثلة. ولقد استمرت بعض تلك المعتقدات والممارسات العلاجية، مثل محاولات الشفاء من الأمراض والآفات بالتعاويذ، أي بالتمائم والرقى في مجتمعات بدائية عند العرب والمسلمين وغيرهم حتى اليوم. وكانت العراق وخاصة بابل في العصر الجاهلي، وبداية العصر الإسلامي، مركزاً شهيراً للخمور الجيدة والطب القديم بما فيه من سحر وتنجيم. ويدعي الرواة أن قيساً أُخذ إلى بابلَ للعلاج(1). ولما مرضت ليلى العامرية أُخذت أيضاً إلى العراق للعلاج فقال المجنون:

يَقولونَ لَيلى بِالعِراقِ مَريضَةٌ       فَيا لَيتَني كُنتُ الطَبيبَ المُداوِيا
 
والسبب في شهرة بابل هو وراثتها لحضارة ما بين النهرين العريقة. والطريف أن الجاحظ في كتابه (الحيوان) علل نبوغ أهل بابل بسبب اعتدال مناخ إقليمهم قائلاً: "وإنما صارت عقولُ أهل بابل وإقليمِها فوقَ العقول، وجمالهم فوق الجمال لعلة الاعتدال"
(2).

التمائم و الرُّقى:

ولقرب الخليج العربي جغرافياً من العراق، اقتبس الخليجيون بعض وسائل العلاج من البابليين بما في ذلك التمائم والشعوذة. ولا زالت بعض تلك الوسائل تمارس في المجتمع الخليجي حتى اليوم. وفي دراسة نشرت سنة 1996م اتضح أن 43% من الأمهات في الدول الخليجية استعملن التمائم للتخلص من أعراض مرضية يعتقد أنها نتيجة الإصابة بالجن والشياطين أو الحسد أو العين(3). والتميمة في الخليج تسمى أيضاً الحرز أو الجامعة.

وأصل التميمة من تممت عنه العين أي دفعتها عنه بتعليق التميمة عليه. وكانت التميمة عبارة عن خرزة رقطاء تستعمل كعوذة توضع في سير وتعلق في العنق. فهي خَرزة كانوا يَعْتَقِدون أَنها تَمامُ الدَّواء والشِّفاء. والتَّمِيمةُ: قِلادةٌ من سُيورٍ، وربما جُعِلَتِ العُوذةَ التي تعلَّق في أَعناق الصبيان. وقال أبو ذؤيب الهذلي:

وَإِذا المَنِيَّةُ أَنشَبَت أَظفارَها       أَلفَيتَ كُلَّ تَميمَةٍ لا تَنفَعُ

وفي حديث ابن مسعود: التَّمائمُ والرُّقى والتِّوَلةُ من الشِّرْك. وفي الحديث: "من علق تميمة فلا أتم الله له"(4).

واستعمال الرُّقى من العلاج القديم منذ العصر الجاهلي، وهي مثل التمائم إما خرزة يقرأ عليها أو قراءة معينة ضد المرض ينفث فيها على الشخص أو على شيء يحمله الشخص، يقيه المرض أو العين أو السحر. وقال المجنون عن ليلى:

هِيَ السحرُ إِلا أَنَّ للسحرِ رُقيَةً       وَأَنِّيَ لا أُلفي لَها الدَهرَ راقَيا

وفي اللغة رَقَى الراقي إذا عَوَّذَ ونَفَثَ في عُوذَتِه. وقال ابن الأَثير: الرُّقْية العُوذة التي يُرْقى بها صاحبُ الآفةِ كالحُمَّى والصَّرَع وغير ذلك من الآفات. وقال سلمة بن الخرشب الأنماري:

تُعَوَّذُ بِالرُّقى مِن غَيرِ خَبلٍ       وتُعقَدُ في قَلائِدِها التَّميمُ

 وقد جاء في بعض الأَحاديث جوازُها وفي بعضِها النَّهْيُ عنها، ووَجه الجمع بينها أَن الرُّقَى تُكره(4).
وقد أطلق العرب اسم رُقَيّة تصغير رُقْية على المرأة تفاؤلاً، وكأنهم قالوا إنها تعويذة ضد الشر والمرض، ورقيّة اسم إحدى بنات النبي (ص).

السلوة:

كما استعمل العرب خرزة معينة لعلاج العشق تسمى السّلوة، تسحق ويشرب ماؤها فيسلو الشارب ذلك الماء عن حب من ابتليَ بحبه(4). وقد ذكر المجنون أنه عُولج بها، ولكن يبدو أنها لم تفلح في علاجه حيث قال:

أَلا  يا  طَبيبَ  الجِنِّ  وَيحَكَ  داوِني       فَإِنَّ  طَبيبَ  الإِنسِ  أَعياهُ  دائِيا
أَتَيتُ  طَبيبَ  الإِنسِ  شَيخاً  مُداوِياً       بِمَكَّةَ يُعطي  في  الدواءِ  الأَمانِيا
فَقُلتُ  لَـهُ  يا  عَمُّ  حُكمُكَ   فَاحتَكِم       إِذا ما كَشَفتَ اليَومَ  يا عَمِّ  ما بِيا
فَخاضَ  شَراباً  بارِداً  في    زُجاجَةٍ       وَطَرَّحَ    فـيهِ   سَلوَةً      وَسَقانِيا
فَقُلتُ وَمَرضى الناسِ يَسعَونَ  حَولَهُ       أَعوذُ بِرَبِّ  الناسِ  مِنكَ    مُداوِيا
فَقالَ شِفاءُ الحُبِّ  أَن تُلصِقَ  الحَشا       بِأَحشاءِ مَن تَهوى إِذا كُنتَ  خالِيا
 
(ت)

واستعمال السلوة بما لها من اسم يدعو إلى التفاؤل، له إيحاء مريح للمريض، ولا شك أن قوة الإيحاء لها تأثير نفسي يساعد في العلاج. ولقد استعمل الخليجيون القدامى الذهب، مثل ذلك، لعلاج الروعة. وأذكر عندما كنت طفلاً في السابعة من العمر أنني وأختي توهمنا أن هناك جنيًّا في غرفتنا المظلمة، فصرنا نرتعد من الخوف. فخلعت أمي خاتمها الذهبي وألقته في كأس صبت عليه ماءً بارداً وسقتنا الماء، فأحسسنا بالراحة، وزالت عنا الروعة. وكان حنان الأم وضمها لنا وإخبارنا بأنه لم يكن هناك ما يخيف واهتمامها بنا هو الذي جلب الراحة والاطمئنان وأزال الخوف لا الذهب الملقى في الماء. ولكن الإيحاء بأن هناك علاجاً ناجعاً للروعة "يقوي القلب"، طمأننا وساعدنا على الراحة.

العرّاف:

واستمر الطب عند العرب في العصر الجاهلي مقصوراً على السحرة والكهان ومشايخ الأحياء وعجائزه. ولم يتطور الطب في صدر الإسلام لانشغال المسلمين بالفتوحات. واشتهرت بعض المناطق العربية بكهنتها وعرافيها مثل اليمن واليمامة، يتوافد عليها المرضى للعلاج. وفي اللغة العَرّافُ: الكاهن، ولم يعترف الإسلام بالكهنة وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "من أتى عَرّافاً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة"(5). وفي الحديث: "من أَتى عَرَّافاً أَو كاهِناً فقد كفَر بما أُنزل على محمد"، صلى اللّه عليه وسلم؛ أَراد بالعَرَّاف المُنَجِّم أَو الحازِيَ الذي يدَّعي علم الغيب(4). ولكن للعراف صفةً أخرى عند العرب فالعَرّافُ -أيضاً-: الطبيب، ولذلك استمر العراف في العصر الإسلامي في ممارسة الطب الذي كان يقوم به في الجاهلية، وهو طب مبني على التنجيم والسحر. ومما يدل على عمله كطبيب قول الشاعر العذري عروة بن حزام صاحب عفراء (المتوفى سنة 30 هـ):

وقلت  لعَرّافِ  اليمامة  داوني          فإنك   إن  أبرأتني  لطبيب
فما بي من سقم ولا طيفِ جِنَّةٍ         ولكن عمي الحميري كذوب

وقد أسهب عروة بن حزام في علاج العراف له قائلاً:

جَعَلْتُ  لِعَرّافِ   اليَمــامةِ   حُكْمَهُ       وعَرّافِ حَجْرٍ إِنْ هما  شَفياني
فقالا  نَعَمْ  نَشْفي مِنَ  الدّاءِ  كُلِّهِ       وقاما   مـع   العُوّادِ    يَبتَدِرانِ
نعم  وبلى  قالا  متى  كنتَ هكذا      لِيَسْتَخْبِراني  قلتُ  منذ   زَمانِ
فما  تركا   مـن  رُقْيَةٍ    يَعْلَمانِها       ولا  شُرْبَةٍ  إِلاّ  وقد   سَقَياني
فما  شَفَيا  الدّاءَ  الذي  بيَ  كُلَّهُ       وما ذَخَرا  نُصْحاً  ولا   أَلَواني 
(ث)
فقالا   شفاكَ  اللهُ  واللهِ   ما  لَنا       بِما ضُمِّنَتْ منكَ الضّلوعُ يَدانِ
فرُحْتُ مِنَ العَرّافِ  تسقُطُ  عِمَّتي       عَنِ  الرّأْسِ  ما  أَلْتاثُها  بِبَنانِ
معي صاحبا صِدْقٍ إذا مِلْتُ مَيْلَةً       وكانَ  بِدَفَّيْ  نِضْوَتي عَدَلاني
أَلاَ أَيُّها العرّافُ  هل أَنتَ  بائعي       مكانَكَ   يوماً   واحداً  بمكاني
أَلسْتَ تراني لا  رأيتَ   وَأَمْسَكَتْ       بِسَمْعِكَ  رَوْعاتٌ من  الحَدَثانِ

ثم قال:

لَوَ انَّ طبيبَ الإنْسِ والجِنِّ داويا الـ       ـذي بيَ من عفراءَ ما شَفياني

العلاج بالكيّ:

كما عرف العرب العلاج بالكي منذ القدم، واستمر العمل به في العصر الإسلامي إلى اليوم. ويروي الوالبي أن قيساً أخذ إلى بابل "واجتمع إليه المطببون، وأقبلوا يسقونه شربة بعد شربة ويكوونه، فلما أكثروا عليه أنشأ يقول(1):

دَعوني دَعوني قَد أَطَلتُم عَــذابِيا        وَأَنضَجتُمُ  جِلـدي   بِحَرِّ  المَكاوِيا
دعوني أمُتْ غمّاً  وهمّاً  وكربة        أيا ويح قلبي  من به مثل  ما بيا
دعوني بغمي وانهدوا في كلاءَةٍ         من الله قد أيقنتُ أن  لستُ باقيا
وراءكمُ إني  لقيتُ   من  الهوى        تباريح   أبلـت   جِدَّتي   وشبـابيا
سقى الله  أطلالاً بناحية الحمى        وإن كنَّ  قد أبدين  للناس ما  بيا
منازلُ  لو  مرَّت عليها جنازتي        لقال الصدى يا  حاملَيَّ  انزلا بيا
 
(ج)
فأشهد بالرحمن من كان  مؤمناً        ومن كان يرجو الله فهو  دَعا  ليا
خليليَّ قد  حانت وفاتيَ  فاطلبا        ليَ النعشَ والأكفانَ واستغفرا   ليا
وَإِن مِتُّ مِن  داءِ الصبابَةِ أَبلِغا        شَبيهَةَ ضَوءِ الشَمسِ مِنّي سَلامِيا

ولكن كلما شكا المجنون حاله لرفاقه جاؤوه بالطبيب الذي يباشر بالكي، وقيس يعرف حقيقة مرضه وبلسم علاجه: 
 
شَكَوتُ إِلى رَفيقَيَّ الَّذي بي       فَجاءاني  وَقَد  جَمَعا  دَواءَ
وَجاءا  بِالطَبيبِ  لِيَكوِياني       وَما  أَبغي  عَدِمتُهُما اكتِواءَ
فَلَو ذَهَبا  إلى لَيلى فَشاءَت      لأَهدَت لي مِنَ السَقمِ الشِفاءَ

بداية الطب العلمي عند العرب:

وقد كان الحارث بن كلدة الثقفي في الطائف، أشهر الأطباء العرب قبل الإسلام وحتى أيام الخلفاء الراشدين. وقد لقب الحارث "طبيب العرب". درس الحارث الطب اليوناني في جند سبور من فارس وتعلم موسيقى الضرب على العود في اليمن. فالحارث أول طبيب عربي يشتهر في صدر الإسلام بأنه كان يمارس الطب العلمي بعيداً عن السحر والشعوذة والطب التقليدي. ومع أنه أدرك الإسلام لم يثبت أنه أسلم، ومع ذلك كان الرسول (ص) ينصح المرضى من المسلمين بطلب العلاج من الحارث. فقد عاد عليه السلام سعد بن أبي وقاص أثناء مرضه في مكة وقال له: "ادع الحارث فإنه رجل يتطبب"(6).
 
ولقد شخّص الحارث حالة مريض في مدينته الطائف، ومن قبيلته ثقيف، مصاب بمرض نفسي سببه العشق. فقد عشق المريض زوجة أخيه، وهي من قبيلة بني كنّه، فأضناه حبها حتى عجز عن المشي والقعود. فاستدعى أخوه الحارث بن كلدة، فلما حضر وفحصه لم يجد به علة جسمية، وأدرك أن المرض نفسي. فدعى بخمر وفتت فيها خبزاً، ثم أطعمه الثريد وسقاه شربة من الخمر، فحرك المريض رأسه ورفع صوته منشداً:

ألما بي على الأبيـات بالحيف  نزرهنَّهْ
غزال ثمَّ يحتـــل  بها  دورَ  بني  كنهْ
غزال أحور العينيـن في منطقه  غُنَّهْ

فعرف الحارث أن به داء الحب، فأعاد إليه الخمر وسقاه كأساً أخرى فأنشد:

أيها  الجيرة  اسلموا  وقفوا  كي تسلموا
خرجت مزنة من الـ  ـبحر ريا  تُحَمْحِم
هي  ما  كَنّتي  وتزعم  أني  لها  حمُ 
(ح)

فأيقن الطبيب حقيقة علته، وأسر إلى أخيه بحقيقة ما به. فقال أخوه: "يا أخي هي طالق فتزوجها". فقال المريض: "وهي كذلك طالق ساعة أتزوجها" ثم عاد إليه شيء من القوة والعقل ففارق الطائف، وهام في البراري فما عرف عنه شيء بعد ذلك. أما أخوه فمكث بعده أياماً ثم مات(7).

وفي العصر الأموي الذي بدأ فيه نقل الطب من اليونانية في عهد عمر بن عبد العزيز لم تتطور الممارسات الطبية إلا في العاصمة وما حولها، وبقيت أساليب العلاج بالرقى، وخاصة في المدن البعيدة عن العاصمة، وكذلك الحال في البادية، حيث دارت قصة مجنون ليلى وغيره من الشعراء العذريين مثل قيس بن ذريح (المتوفى سنة 68 هـ). وكانوا يغسلون بالنشرات. والنشرات جمع نُشرة وهي الرقية أيضاً وقد قال قيس بن ذريح عن علاجه:

مَرِضتُ فَجاؤوا بِالمُعالِجِ وَالرُّقى     وَقالوا   بَصيرٌ   بـِالدَوَا  مُتَطَبِّبُ
أَتاني  فَداواني  وَطالَ اختِلافُهُ      إِلَيَّ   فَأَعياهُ   الرُقى   والتطَبُّبُ
وَلَم  يُغنِ  عَنّي ما يُعَقِّدُ طائِلاً      وَلا ما يُمَنّيني  الطَبيبُ  المُجَرِّبُ
وَلا  نُشُراتٌ باتَ  يَغسِلُني  بِها      إِذا ما بَدا لي الكَوكَبُ المُتَصَوِّبُ

ولم يحدث التطور العلمي الحقيقي في الطب عند العرب إلا في العصر العباسي، إذ توافد الأطباء على عاصمة الخلافة، وترجمت الكتب الطبية اليونانية، وانتشرت المستشفيات وبدأ الاهتمام بالملاحظات السريرية تدويناً ودراسة. أما قبل ذلك وخاصة في عصر بني أمية، وهو العصر الذي عاش فيه المجنون فالطب الشعبي التقليدي كان هو الطب السائد آنذاك، وهو طب قد عجز عن علاج مرض شاعرنا المجنون. ويذكر الرواة أن المجنون مر على طبيبين جالسين فدنا منهما وقال هل فيكما من يداويني؟ قالا: من أنت؟ قال: المجنون المستهام. قالا: ما للعشاق عندنا دواء هو أبلغ من حبيب ضجيع إلى جنبه(1) وقد أخبرنا المجنون عن ذلك الحوار الصريح بينه وبين الطبيبين:

طَبيبانِ  لَو  داوَيتُماني  أُجِرتُما       فَما   لَكُما تَستَغنِيانِ  عَنِ  الأَجرِ؟
فَقالا بِحُزنٍ: ما لَكَ  اليَومَ حيلَةٌ       فَمُت  كَمَداً أَو عَزِّ  نَفسَكَ بِالصبرِ
وَقالا: دَواءُ الحُبِّ  غالٍ  وَداؤهُ       رَخيصٌ وَلا يُنبيكَ شَيءٌ كَمَن يَدري
فَما بَرِحا  حَتّى كَتَبتُ  وَصِيَّتي       وَنَشَّرتُ أَكفاني  وَقُلتُ احفِرا  قَبري
فَما خَيرُ عِشقٍ لَيسَ يَقتُلُ أَهلَهُ       كَما قَتَلَ العُشّاقَ  في سالِفِ  الدَهرِ

وخلاصة الأمر أن مرض المجنون استعصى على وسائل العلاج المتاحة له في عصره من تمائم ورقى وسحر وكهانة وسلوانة وكي. كما نعرف من سيرته أن أباه أخذه إلى مكة للحج وللدعاء له بالعافية والشفاء من جنون الحب. وسأله أبوه أن يتعلق بأستار الكعبة ويطلب من الله أن يعافيَه من حب ليلى، فاستجاب لأبيه وتعلق بأستار الكعبة لكنه قال في دعائه: اللهم زدني لليلى حبًّا وبها كلفاً وفيها تلفاً ولا تنسني ذكرها أبداً. ثم أنشد:

دعا  المُحرمون الله   يستغفرونه     بمكةَ وهناً  أن  ستُمحى  ذنوبُها
وناديتُ أن يا ربِّ  أولُ   سؤلَتي     لنفسيَ  ليلى  ثم  أنت  حسيبُها
فإن أُعطَ ليلى في حياتيَ لا يتب    إلى الله  خلق  توبةً   لا  أتوبها
يَقرُّ   لعيني    قـربُها   ويزيـدني     بها عجباً من كان عندي يَعيبُها
وكم  قائلٍ قـد قال تبْ  فعصيتُه     وتلك  لعمري  خَلةٌ  لا  أصيبُها

شرح المفردات:
أ‌.  هاروت: اسم ملك من الملائكة.
ب‌. مفلجة الأنياب: تباعد ما بين الثنايا والرباعيات فهي فلجاء والرجل أفلَج.
ت‌. الخالي من الرجال: الذي لا زوجة له.
ث‌. ألواني: قصّرا معي، من ألا يألو ألواً: قصّر.
ج‌. الصدى: في اعتقاد الجاهلية طائر يخرج من رأس الميت إذا بلي، وقيل طائر يصيح في هامة المقتول إذا لم يثأر به.
ح‌. الكَنّة: امرأة الابن أو الأخ. الحَمُ: أبو الزوج أو أخوه وكل من ولي الزوج من ذي قرابة.

المراجع:
1. يسري عبد الغني: ديوان قيس بن الملوح رواية أبي بكر الوالبي، دار المكتبة العلمية، 1990م، بيروت.
2. الجاحظ: كتاب الحيوان – دار صعب – بيروت 1982م.
3. مجلة المأثورات الشعبية، العدد 42، إبريل 1996م
4. ابن منظور: لسان العرب – دار المعارف- القاهرة.
5. الصغاني: العباب الزاخر واللباب الفاخر – مطبعة المجمع العلمي العراقي - بغداد 1978م.
6. كمال السامرائي: مختصر تاريخ الطب، الجزء الأول ، دائرة الشؤون الثقافية والنشر ، العراق، 1984.
7. أحمد حسنين القرني: قصة الطب عند العرب، الدار القومية للطباعة والنشر.

© 2019 by Dr. Hajar