أمراضه العضوية

لقد ذكرت بإسهاب في فصل (أعراض عشق قيس بن الملوح)، جميع الأعراض المرضية التي اشتكى منها في أشعاره. ولن أكرر هنا ذكر تلك الأعراض، ولكن سأذكر منها ما له علاقةٌ مباشرة بأمراض القلب العضوية التي أتناولها في هذا الفصل  والفصل التالي، من جهة علمية أخرى لم أتطرق لها سابقاً.

 

مرض القلب:

 نعود الآن إلى قيس بن الملوح للبحث في أمور صحته الجسمية من خلال أشعاره. فهل كان مصاباً بأمراض عضوية في القلب، أم بأمراض نفسية فقط؟ وما هي مسببات أمراضه؟ أمّا قيس فلم يفرق بين الأمراض النفسية والجسمية، ولكنه اعترف بمرض قلبه، ونسبه إلى الحب، وهو الصحيح كما سأبين لاحقاً. فقد صرح بأن الحب وعذابه هما اللذان أمرضا قلبه:

 فَأَمرَضَ قَلبي حُبُّها وَعَذابُها       وَما لِلعِدى مِن صَبوَةٍ كَيفَ أَصنَعُ

 وتفجع على قلبه الذي لم يحظَ إلا بحرارة الحب والآلام والمرض:

 للهِ قلبيَ ماذا قــد أُتيح له      حَرُّ الصبابةِ والأوجاعِ والوصبُ

ويئس من وصال ليلى كي يشفي قلبه المريض المعذب قبل أن تحين وفاته كما ذكر في الأبيات الرقيقة المنسوبة إليه كما نسبت إلى غيره(1):

 

مَتى يَشتَفي مِنكَ الفُؤادُ   المُعَذَّبُ       وَسَهمُ المَنايا مِن   وِصـالِكِ أَقرَبُ

فَبُعدٌ  وَوَجدٌ  وَاشتِياقٌ     وَرَجفَةٌ       فَلا أَنتِ  تُدنيـني   وَلا  أَنا   أَقرَبُ

كَعُصفورَةٍ في كَفِّ طِفلٍ   يَزُمُّها       تَذوقُ حِياضَ المَوتِ وَالطِفلُ يَلعَبُ

فَلا الطِفلُ ذو عَقلٍ يَرِقُّ لِما بِها       وَلا الطَيرُ ذو ريشٍ يَطـيرُ   فَيَذهَبُ

 

وقد يقصد الشاعر العاشق بلفظة القلب خلاف ما يقصده طبيب القلب مثلي، فالشاعر قد يقصد المعشوق أو روح القلب وجوهره عندما يذكر القلب، لا العضو بلحمه ودمه كما يقصده الطبيب. لذلك فقد يدعي أن قلبه مع الحبيبة لا في جسمه، أو أن الحبيبة التي تسكن في قلبه ذهبت بالقلب وتركته بلا قلب كما قال:

 

أَحُجّاجَ بَيتِ  اللَهِ  في  أَيِّ هَودَجٍ       وَفي أَيِّ خِدرٍ مِن خُدورِكُمُ قَلبي

أَأَبقى أَسيرَ الحُبِّ في أَرضِ غُربَةٍ       وَحاديكُمُ يَحدو بِقَلبِيَ في الرًّكبِ

 

لذلك ادعى أنه يعيش بلا قلب:

وَلي أَلفُ وَجهٍ قَد عَرَفتُ طَريقَهُ      وَلَكِن بِلا قَلبٍ  إِلــى أَينَ  أَذهَبُ

بل أنكر أن يكون للعشاق قلوب:

يَقولونَ لَو عَزَّيتَ قَلبَكَ لارعَوى       فَقُلتُ وَهَل لِلعـاشِقينَ قُلوبُ

 

ولكن ليس للشاعر المتيم فكر ثابت بالنسبة إلى قلبه، ولا شك أنه يدرك أنه لا يمكن لإنسان أن يعيش بدون قلب حقيقي، لذلك تمنى المجنون لو كان له قلبان، يعيش بواحد ويترك الآخر ليلى تعذبه كما تشاء:

فلو كان لي قلبان عشتُ  بواحدٍ      وأفـردت  قلباً  في  هواكِ  يعذَّبُ

فهو يدعي أنه يدرك كنه مرضه وسببه، وشكك في فائدة أدوية الأطباء وعلاجهم، ونعتَ العلاج الناجع، وقال إن العلاج الحقيقي بيد ليلى، وهي قادرة على شفائه: 

شَكَوتُ إِلى رَفيقَيَّ الَّذي بي       فَجاءاني  وَقَد  جَمَعا   دَواءَ

وَجاءا   بِالطبيبِ  لِيَكوِياني       وَما أَبغي  عَدِمتُهُما  اكتِواءَ

فَلَو ذَهَبا  إلى لَيلى فَشاءَت       لأهدَت لي مِنَ السقَمِ  الشَّفاءَ

 

وأكد أن الحب سبب مرضه، وأن مرضه العقلي جنون حب:

وَقَد صِرتُ مَجنوناً مِنَ الحُبِّ هائِماً       كَأَنِّيَ عانٍ في القُيودِ وَثيقُ

أَظَلُّ رَزيحَ العَقلِ  ما أُطعَمُ  الكَرى       وَلِلقَلبِ مِنّي  أَنَّةٌ   وَخُفوقُ

 

فالمجنون يرى أن جميع مشاكله الصحية والجسمية نابعة من مشكلة الحب، فالحب بداية مشاكله والحب نهايتها. ولكن الحب كمشكلة نفسية لم يقتله مباشرة، بل الذي قتله هو مرض القلب العضوي كما سيتضح فيما سيأتي. ومع ذلك فيجوز إذا استعملنا المصطلحات الحديثة أن نقول إن الأمراض العضوية التي أصيب بها المجنون وما نتج عنها من أعراض - سنستعرضها في هذا الفصل - ما هي إلا مضاعفات للمرض النفسي، أي إنها نابعة من مرض العشق.

 

النحول:

ليس النحول مرضاً في حد ذاته، ولكنه من أعراض الأمراض النفسية أو العضوية. والحب الشديد أو العشق من الأمراض النفسية التي لها انعكاسات عضوية. فالمشاكل النفسية التي عاناها المجنون وتعامل معها، سببت له أمراضاً عضوية. فطريقة الحياة التي عاشهــا حزيناً بعيداً عن الأهل والأصدقاء، يأكل ما يسدّ رمقه من نباتات الصحراء، أو ما يصل إليه أحياناً من أهله، أثّر في بنيته الجسمية، فضمرت عضلاته، وأصبح اللحم لا يكسو عظامه، كما قال:

 

ولم يبق  إلاّ الجلدُ  والعظمُ عارياً       ولا عظمَ لي إن دام ما بي ولا جلدُ

 

وقال أيضاً:

بَرى حُبُّها جِسمي وَقَلبي وَمُهجَتي       فَلَم يَبقَ إِلا أَعظُمٌ وَعُروقُ

وقال:

سَلَبتِ عِظامي لَحمَها فَتَرَكتِها       مُعَرَّقَةً تَضحى إِلَيهِ وَتَخصَرُ

عظام مُعَرَّقَة: مجردة من اللحم. تضحى: تتعرض لحرارة شمس الضحى. تخصر: تتعرض لبرد الليل.

 

فقر الدم ونقص المناعة:

المعروف علميًّا أن نقص التغذية المزمن يسبب فقراً في الدم، وضعفاً في حصانة الجسم، لعدم قدرة الجسم على إنتاج بعض البروتينات الضرورية للحصانة الجسمية ضد الأمراض. لذلك فقد يكون قيس مصاباً بفقر دم وبضعف في الحصانة الجسمية لمقاومة الأمراض. وقد يكون وجوده في معزِل عن الناس قد خلق له بدون قصد عزلة طبية عن جراثيم الناس المعدية، فلم تنتقل إليه العدوى التي تعجل في القضاء على من في مثل حاله. فرُبَّ ضارة نافـعة. ولا يستبعد في مثل حالته من الضعف الجسمي وفقر الدم، أن يشعر بازدياد دقات القلب واضطرابها لأي سبب جسمي أو نفسي. فالقلب يزيد من سرعة نبضاته ليزيد سرعة تدفق الدم بصورة آلية، عندما يصاب المرء بفقر دم، لتعويض الجسم عن النقص في الأوكسجين، لأن قلة عدد كرات الدم الحمراء تقلل كمية الأكسجين المحمول في الدم. ولا يعرف قيس مصطلحاتنا الحديثة كفقر الدم، ولكنه ذكر الخفقان، ونحن نعلله بفقر الدم بالإضافة إلى مرض القلب. وقد يصاب المرء السليم باضطراب في دقات القلب عنـد سماع خبر سار أو حزين، فما بالك بشخص ضعيف الجسم مثل قيس، حيث إنه كان يحس بمثل ذلك من قبل أن يعتزل الناس. أما نقص المناعة، فسيأتي الحديث عنه عند الحديث عن الكآبة أدناه.

 

الخفقان (اضطراب نبضات القلب):

 قال المجنون:

 دعا باسم ليلى غيرها فكأنما              أطار بليلى طائراً كان في صدري

 وهو يقصد بالطائر الذي في صدره قلبه. فهو أحس بخفقان القلب السريع، وكأنه جناح طائر يرف في صدره، وذلك تعبير دقيق لسرعة خفقان القلب، أو الإحساس باضطرابه.

فكان القلب بالنسبة إليه مرآةً تعكس انفعالاته النفسية. فلو كسر شخص عزلته بالمرور في المنطقة الصحراوية التي كان يعزل نفسه فيها عن الناس، لأحس بقلبه كجناح طائر يتأهب للطيران. وقد يكون ذلك لمشكلة الخفقان المتكرر عليه، أو انصياع قلبه لرغبته الشخصية في الهروب من الناس:

 كَأَنَّ فُؤادي كُلَّما مَرَّ راكِبٌ       جَناحُ عُقابٍ رامَ نَهضاً إِلى وَكرِ

 وتوهم عندما كان في مكة للحج أن قلوب الناس كلها مصابة مثل قلبه بالخفقان (وَجيب: خفقان):

 ذَكَرتُكِ وَالحَجيجُ لَهُم ضَجيجٌ       بِمَكَّةَ وَالقُلوبُ لَها وَجيبُ

 ولكنه رجع وأكد أن قلبه هو غريب ومختلف عن قلوب الناس، فقلبه العاشق جلب عليه المصائب(1):

فُؤادي بَينَ أَضلاعي  غَريبُ       يُنادي مَن يُحِبُّ فَلا يُجيبُ

أَحاطَ  بِهِ  البَلاءُ  فَكُلَّ  يَومٍ       تُقارِعُهُ الصَّبابَةُ   وَالنحيبُ

لَقَد  جَلَبَ البَلاءَ عَلَيَّ  قَلبي       فَقَلبي مُذ عَلِمتُ لَهُ جَلوبُ

فَإِن تَكُنِ القُلوبُ كَمِثلِ قَلبي       فَلا كانَت  إِذاً  تِلكَ القُلوبُ

 

والواضح من أشعار قيس أنه كان يعاني اضطرابات في دقات قلبه، وقد تكون الاضطرابات لأسبــاب عضوية في القلب بسبب سوء التغذية وقلة الطعام، حيث إن القلب عضلة حالها حال عضلات الجسم الأخرى، يصيبها الهزال والضعف إذا قلّت التغذية. وقد لا يشعر المصاب باضطراب في دقات القلب بأي أعراض، وقد يشعر بها فقط إذا زادت لأسباب طارئة، كذكر العاشق لمعشوقه:

 

كأن القلبَ ليلةَ  قيل  يغدى      بليلى العامرية  أو  يراحُ

قطاةٌ غرّها   شَركٌ   فبــاتت     تُجاذبه وقد علقَ  الجناحُ

 

أي إنه يحس بقلبه وكأنه حمامة نشبَ أحد جناحيها بشبكة الصياد، وتحاول أن تتخلص من الشبكة وتطير بالجناح الآخر. فالجناح الطليق يحاول أن يعوّض عن الجناح الأسير بازدياد سرعة حركته، ولكن بدون جدوى. وهذا التعبير الرائع لتشبيه الإحساس بسرعة خفقان القلب بخفقان جناح الحمامة، قد أخذه قيس من شاعر عاشق شهير سبقه، وهو عُروة بن حزام صاحب عفراء. وإني أفضّل وصف عروة على وصف قيس لأنه أبلغ. فوصف عروة هو الذي جذب انتباهي وجعلني أفكر في مقارنة الأشعار الأدبية بالواقع الطبي لقلب الإنسان، لدقة البيت في وصف خفقان القلب حيث قال(2،3،4):

 

كأن قطاةً علِّقت بجناحها                  على كبدي من شدة الخفقانِ

 

فعروة وصف إحساساً داخل جسمه؛ جَناح علق فوق الجهة العلوية للكبد، والجناح الآخر يخفق بشدة في المكان المجاور للكبد، أي منطقة القلب نفسها. فالحمامة المضطربة داخل جسمه، وليست في شبكة الصياد كما قال قيس. ولا أعتقد أننا معشر أطباء القلب نستطيع أن نصف الإحساس بسرعة الخفقان بأفضل مما فعل عروة .

 ولا شك أن قيساً كان على علم بقصة عروة وعفراء، لذلك لا يستبعد أنه تأثر بأشعاره بدليل أن قيساً ذكره:

 

عَجبتُ  لعروة العذري أضحى        أحاديثاً   لقومٍ   بعد قــوم ِ

وعروة مات موتاً    مُستريحـاً        وها أنا ميّتٌ  في كلّ  يوم ِ

 

الغشيان:

وقد تكون اضطرابات دقات القلب وشدة سرعتها، سبب غشيان كل من عروة وقيس عندما يذكر محبوبته، ولكن الرواة بالغوا في كثرة ما يغشى عليهما. وأتوقع أن ذلك الغشيان نتيجة لهبوط ضغط الدم المصاحب لشدة خفقان القلب واضطرابه. والغالب أن المصاب يفقد حواسه لفترة قصيرة، وقد لا يفقد المصاب حواسه تماماً إذا كان هبوط ضغط الدم غير شديد، فهو قد يسمع الكلام حوله، ولكن لا يقدر على الرد والمشاركة، وقد وصف قيس ذلك:

 

فما زلت مغشيًّا عليَّ وقد مضت       أناة وما عندي جوابٌ ولا ردُّ

 

تشخيص مرض قلب قيس:

الوصول إلى تشخيص مرض شاعرنا الذي أتلف قلبه وقضى على حياته، هو أهم ما في هذه الدراسة، لذلك سأتطرق للتشخيص بإسهاب في الفصل التالي (وفاة المجنون).

 

المراجع:

1. الدكتور يوسف فرحات: ديوان مجنون ليلى- دار الكتاب العربي – بيروت، 1999.

2.  االأصفهاني: كتاب الأغاني – دار صادر، 2002م.

3.  محمد أحمد جاد المولى : قصص العرب ج 3.

4.  عبد المجيد زراقط: عشاق العرب – دار البحار- بيروت، 1987م.

© 2019 by Dr. Hajar